احذروا مكافحة الاستعمار
أحزاب وتجمعات وبرلمانات وحكومات جميعها تلعن الاستعمار .
شخصيات مرموقة ، ومفكرون محترمون ، وباحثون مشهورون ، ووطنيون لا يشق لهم غبار والكل يعلن عن رؤيته الخاصة في مقاومة الاستعمار .
أدباء وشعراء وفنانون ينشدون للوطن وللوطنية ، وقصائد عصماء تنطلق من أقلام الشعراء اللذين بحّت أصواتهم وهم يهتفون للوطن ، وللمستقبل الزاهر المزدهر .
فتاوى ممهورة بأختام أصحابها وأخرى عارية ، وحماس يملأ الدنيا من قبل علماء ورجال ودعاة وسماسرة وتجار دين ، وجميعهم يحذرون من مغبة التناحر والفتنة خوفا من الاستعمار ومن كوارثه التي تستهدف الثروة الوطنية ، وتنتهك العرض الوطني ، وتسفك الدم الوطني .
عملاء وجواسيس وأذناب يعملون في دوائر الخيانة ، يتحدثون في وضح النهار عن المخاطر والتحديات الكبيرة التي سيخلفها الاستعمار .
صراع بين الأفكار ن واختلاف في وجهات النظر ، وتباين في المواقف حول سبل مكافحة الاستعمار .
الجميع يشحن نفسه ومن معه بالبطاريات التي تزوده بالعبارات الذرية ، والخطب العنقودية ، والكلمات الفسفورية ، وعندما يخلو كل واحد إلى نفسه يجدها فقيرة إلى حذاء من صنع الاستعمار ، وجائعة إلى رغيف استعماري ، وبندقية يحارب بها خرجت من مصانع الاستعمار ، وقلم من تصميم وإخراج الاستعمار يستخدم لتحرير الفتاوى التي توجب محاربة الاستعمار و ....................الخ .
ومنذ عقود وعقود ، ونحن نشرب ماء الاستعمار ، ونأكل خبزه ، ونشتري سلاحه ، ونرتدي أسماله ، ونتفاخر بالتقرب إليه مثلما يتفاخر بإذلالنا ، ورغم كل هذا لا زلنا نرفع لافتة ( محاربة الاستعمار ) ونعلم أطفالنا ( من اعتز بغير الله ذل ) واعتزازنا بالاستعمار يفوق كلّ اعتزاز ، وإعجابنا به يفوق كلّ إعجاب .
ومنذ عقود وعقود ، ونحن نكذب على أنفسنا ، وعلى أطفالنا ، وعلى مستقبلنا ، حتى أصبحنا بحكم هذه الممارسة جهابذة في سيكولوجية الكذب .
وإياك أن تقول الحقيقة ، وإياك أن تضع إصبعك على الجرح النازف ، وإذا فعلتَ ذلك فستكون التهم جاهزة ، والشبهات حاضرة ، والسهام مصوّبة ، فنحن رجالها وأزلامها ، ومن يشك في ذلك فليجرّبْ .
واحذر القول ، بأن من يحارب الاستعمار ، عليه أن يأكل خبز يده ، ويشرب ماء يده ، ويلبس ثوب يده ، ويحارب بسلاح يده ، ويفكر برأسه ، لا برؤوس الدمى المحشوّة بالتبن والوحل .
وابتعدْ عن القول ، بأن من يريد طرد الاستعمار ، عليه أن يطرده من نفسه قبل كلّ شيء ، وقبل أن يطرده من خلال الألسنة الطافحة بالنباح بكل أشكاله وألوانه .
وإذا كنت تخاف من فعل السهام ، فعليك الاسترخاء في حظيرة الرعاع ، لتصفق لكل قول ، وترقص لكل عزف ، وتنبطح لكل إشارة .
وإذا كنتَ قد فهمتَ الدرس جيدا ، وعقدت العزم ، فعليك أن تتقدم لتكفر بكلّ الخطوط الحمراء التي وضعها الجبناء ، والتي أوصلتنا إلى مرحلة الانحطاط والخزي والتردي .
باختصار مفيد
نحن أمام طريقين لا ثالث لهما :
أمّا أن نبقى قردة نرقص على حبال الكذب والانتهازية والنفاق .
وأمّا أن نكون كما خلقنا ربّ العزة والجلالة خلفاء ومهندسين لحياة حرّة كريمة .
وعلينا تحمل وزر الاختيار الأول ، أو شرف مسؤولية الاختيار الثاني .