جوّانية الوعي العربي
ليس من العسير إطلاقا على أحد، على أن يدرك مدى الوضعية التي عليها الوعي العربي الراهن، و مستوى فاعليته في رسم حروف الحضارة، و قدرته على رفع دارج الواقع إلى مصاف العقلانية التطبيقية، حتى يكون حاملا لمنتجاته حملا صحيحا، و بتالي يصير مرآة عاكسة لما هو عقلاني، باشتقاقاته الهندسية التي تظهر في العمران و التخطيط و التصنيع...، أو لسلوكات الواجب الأخلاقي التي ينظمها العقل. حتى لا يشعر الفهم بجملة صياغته بالغربة في واقعه، كالتي يشعر بها اليوم. هذا الإيمان يبقى على عاتق العقلانية العربية بلوغه وتحقيقه، في جميع مناحيها، الفكرية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و الأخلاقية... و هذا كله توّلد نتيجة الضياع، الذي عاشته العقلانية في عصور هيمنت عليها الحسية المباشرة، التي تحولّت إلى سلطة معرفية و قيمية، يعتمدها الوعي العربي في وجوده الأنطولوجي. و نجد أيضا، أن هذا الضياع، قد مارسته السلطات الاجتماعية المختلفة و العقائدية، في نصرتها للحسية المباشرة على حساب العقلانية، الأمر الذي جعل من واقعنا تهيمن عليه الظرفية و العشوائية و الفوضى و التسيب و غيرها، بما أنها أحدى منتجات الحسية، المفروضة على الواقع، و سؤال الذي يطرح هنا لماذا الحسية المباشر تفرز هكذا خواص؟.
إذا تمعنا في طبيعة الحسية ، سنجدها متماهية مع هذه الخواص ، و بالتالي تنشأ في معارضتها لكل ما هو منطقي واضح، بالإضافة إلى تجاوزها لعمل تلاحق القضايا الذي يمارسه العقل أثناء إنتاجه للفهم، انطلاقا من المقدمات و انتهاءا بالنتائج. و إنما الحسية تكون كذلك في فرض ستارها الحسي على الشيء المراد فرضا مباشرا، مما يجعلها تختصر كل عمل تلاحقي في سلسلة العلل و النتائج.
إن الحضور الحسي و شموله للواقع، يغلق كل مساحات التي تنشط فيها العقلانية، لأن المساحة الموجودة بين الوعي الحسي و الواقع، مختزلة في الأصل، و هذا لأن الواقع هو الذي يؤكد وجود الحسية ، بما أنها تتأكد عبر الواقع.
أما العقلانية فتمارس عقلانيتها في المساحة الموجودة بينها و بين الواقع، و هي معترك الفهم الحق، و النتائج المتوصل إليها، تكون مالكة لإمكانية تطبيقها في الواقع، و هذا هو الذي يميز المعرفة الحسية عن المعرفة العقلية. المعرفة الحسية مولّدة للجمود و السكون، و العقلانية تساعد على الحركية الفكرية و العلمية و الثقافية، بعدما اتضح أن مساحتها تمتاز بالمرونة. فهيمنة العقل لا تعيق عمل الحس. أما هيمنة الحس بطبيعة الحال تعيق عمل العقل في اتصاله بالواقع.
هذا التحليل، ينبأ بمدى الصعوبة التي تواجه الوعي العربي، في مهامه الحضارية المنوط بها في الأصل، خاصة بعدما أثبت فشله مرارا مع سنين عمره، على تحقيق هذا الإنشاد، رغم كثرة المشاريع و الجبهات الفكرية و الدينية و الاقتصادية المتنوعة التي فتحها على نفسه، مشرقا و مغربا، لعله يتبوأ منازل علو الحياة، التي بدأت مع حملة نابليون على مصر، و ما تمخض عن هذه الحملة التي ساعدت على معرفة الذات. و لكن الملاحظ في هذه المشاريع، هو أنها رغم قوتها و سيل تحركها إلا أنها بقت حبيس جدلها، داخل سياج الثقافة النخبوية التي أظهرت فهما دقيقا لمشاكل الوعي العربي، دون أن تجعل روح الشعب يفهم رسائلها المعرفة، أو على الأقل أن يفهم مهامها البنائية و النقدية له، و بتالي ظهرت محدودية مشاريعها المعرفية ، هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، نجد أن هذه المشاريع شيدت حمولاتها المعرفية على أرضية حسية، و بمعنى أدق ، تم بناء تيارات فكرية و معرفية على الوعي الحسي العام، مما جعلها تبقى فوق الوعي الحسي الذي هو لدى الجمهور العام، و كأن تلك المشاريع كانت موجهة لوعي الآخر مغاير في مستوى نضجه، و لم تكن موجهة للوعي العربي، و كأننا نكتب لغيرنا ، و لا نكتب لأنفسنا. و هذا بالضبط هو الذي جعله فكرا نخبويا.
حدث هذا الانحراف المعرفي، نتيجة سوء تقدير طبيعة الوعي الذي نتعامل معه و نفكر لأجله، و تعاملت معه المشاريع على أنه وعي ناضج ينقصه إلا الإنصات و التقبل، و لكن ما هو أهم هنا، هو كيف نجعل هذا الوعي ينصت لنداء العقل و الحق؟، و يكتسب ثقافة بناء الذات، في أبعاده الفنية و الفكرية و سياسية و غيرها؟، و كيف نجعله يعاف الحال الذي هو عليه، حتى يطالب بما هو أرقى على مستوى الذات؟. هذا الإيمان ينقلنا من العمل الفوقي، الذي ظلت عليه جل المشاريع الفكرية، إلى العمل العمودي الذي يملك ناصية تفكيك الحسية القابضة لوعينا.
لو فهمنا طبيعة الوعي، الذي نفكر في إيجاد حلول شاملة لعوائقه الحضارية، لحتما تمكن من إيجاد أرضية مناسبة لأحداث ربو النقلة التي نتطلع إليها منذ عهود، و لكن ما أنجزته مختلف المشاريع العربية، هو أنها جعلت الوعي ينفر كل ما هو معرفي و عقلاني، و ما له صلة بهما، إيعازا من دوائر أخرى حاملة لشعار تقويض كل ما هو حداثي، و لكل ما يساعد على ذلك، الشيء الذي زاد من شرعية السلطة الحسية و تصلبها في حياتنا اليومية.
هذا كله ساعد الذات العربية، على ممارسة الخمول و الاكتفاء بكل ما هو معطى مباشرة، دون بذل مجهود إضافي لإنتاج معطيات نابعة منه بالأساس. يحدث هذا في أكثر العصور سرعة و نماء، عصر بات يتنافس فيه البشر فيما بينهم باختلاف مناطقهم و عرقياتهم،على فرض سلطة الذات و بناء المركز الحضاري الحامل لمقومات الذات و ثرائها. كصراع الإنسان الأسيوي النشيط و الإنسان الغربي المتأمل. صراع الشرق بخفته و الغرب بقوته، على فرض سيادة الذات على العالم.
هو طموح طبيعي و مشروع للذات، التي تدرك جيدا منطق الحياة، و قوانين تطور تاريخ الشعوب. منطق القيادة المغروس في جوف الإنسان، من الصعب كبحه و طميه في الصدر، أو تعويضه بمنطق آخر خارج عن رغبات الإنسان مهما كان نوعه، الذي غالبا ما يكون منطق خوف و تبرير، يبرر الإخفاق و الانتكاسات، أو هو منطق تسليم و سكينة، يحمل حلولا وهمية يصنعها الخوف، فتنقلب الذات به على ذاتها.
انقلاب يصاحبه في أغلب الأحيان، الاطمئنان و أوهام الاستقرار، لكي يحافظ على مستوى الشعور الداخلي، و هو المنطق الذي لا زالت الذات العربية اليوم تعتمده في معترك وجودها. في مقابل منطق الالتواء المتقدم و المبهم، الذي يتغذى من رموز تراثية لشعوب أسيا الشرقية، و من قداسة العمل اليومي، و منطق القوة المعلنة و الوضوح الذي تعتمده الشعوب الغربية. و المسافة الممتدة من الشرق إلى الغرب، من الإنسان الأسيوي إلى الإنسان الغربي، تحولت لساحة كسب الرهان لهذين المنطقين، مساحة شاسعة، مناخها و تضاريسها ملائمة للحروب الإستباقية، و تطبيق الإستراتيجيات بدقة متناهية. مما جعل من الذات العربية حبل شد بين الشرق و الغرب، و تتلقى مخلفات و انعكاسات صراعهما على استقرارها الداخلي، التي تكون سببا مباشرا في نشوب الاضطرابات و الاقتتال الداخلي ، و التهميش و البيروقراطية و الضياع و التخلف ، التي ما فتأت تعيشها المجتمعات العربية منذ ظهور هذا الصراع. و السؤال الذي هو جدير طرحه هنا، ألا يمكن للذات العربية أن تجد منطقا خاصا بها، يساعدها على تحقيق التوازن ضمن هذه القوى، كقوة ثالثة؟، ألا يحق للذات العربية أن يكون لها طموح عالمية كغيرها من الذوات؟.
إذا قمنا بقراءة في جوّانية الوعي العربي، قراءة فلسفية، لعلها تساعدنا على فهم أساليبها و عن ما يحجبها عن العالم، و على الانخراط في مجموعاته الفاعلة، بأطرها السياسية و الإستراتيجية و الاقتصادية و المعرفية الهادفة. حتما سنجد أن الوعي العربي الآن، لا زال وعيه حبيس مرحلته الأولى من مراحل تكونه، بعدما فقد كل مكتسباته المعرفية و الحضارية الذي تشيّد خلال ثمانية قرون من الزمن، زمن الإسلام المبكر،و الذي كان جزءا من مخياله الاجتماعي.
فإذا كان تراث الذات العربية، في محطاته الحيوية الفاعلة اجتماعيا، قد شكّل بنية سوسيوثقافية للذات العربية آنذاك، حينما كان الفرد منخرطا بقوة في النزعات المعرفية و الدينية الحيوية الناشطة. نشاط تحقق بفعل تطور جميع البنى التي كانت مسرحا لحراكها الاجتماعي، و اعتمادها على إنتاجاتها الذاتية، التي ساعدتها على تحولها إلي وعي اجتماعي، يربط بين أفراد المجتمع دون تمييز.
هذا الإعتاق و الانجذاب لكل ما هو معرفي ، زاد معرفة العصر قوة و صلابة، و ازداد سمكها بتراكم إنتاجها و خبراتها. حتى صارت قشرة فوقية تجمع تحتها، كل ما يدخل في بناء الذات. جعلت المجتمع العربي في ظل هيمنة هذا الاتجاه، يعيش عصره الذهبي. و بهذا الانتماء أثبت أنه عاش عصر الفكر الحر الخلاق، المطلوب منطقيا في عصر الأنسنة.
و إذا أردنا فهم بشكل واضح طبيعة هذا الانتماء و الإعتاق، الذي شكّل بحق حدثا وجب الوقوف عنده بكل روية و هدوء، لزم أن نجد إجابة عن السؤال التالي: ما هو المعرفي بالنسبة للذات العربية؟، و ما هي أهم العناصر المتشكل منها؟.
المعرفي الذي انحصرت الذات العربية في محيطه بالأمس، و الذي كان له علاقة مع الوعي العام. ظهر في بداية عصر فكر ضعيفا حسيا، و مع عمليات التشكّل خضع لتحولات المجتمع التي خاضها في حراكه، كدوامة ماء، ينجذب نحو كل حدث اجتماعي الذي يظهر للتو، حتى عادت الظواهر الاجتماعية كلها تحت أنياب كل ما هو معرفي. ظهر ميلاد هذا التشكل بوضوح مع الدين الإسلامي الجديد، الذي أحدث ثورات كبرى على صعيدين.
أولا: على الصعيد الاجتماعي، من خلال إعادة بناء العلاقات الاجتماعية بناءا إنسانيا ، كدعوته للمساواة بين الناس، و رفضه لنظام الطبقات، و احترامه للمرأة ، و تنظيم البيوع و المعاهدات، و توزيع الحقوق و الواجبات، و طرق بناء الأسرة و غيرها من الاجتماعيات التي أحدثها الإسلام، مما يدل على توجهه المباشر على إعادة مجمل الأحوال الاجتماعية التي كانت سائدة قبله، و إخراج المجتمع العربي من حالة حسية أقرب بكثير من الطبيعة، التي كانت تتميز بالفوضى و التمزق و سلطة القوي على الضعيف و عدم الاستقرار، إلى حالة جديدة قائمة بالأساس على الفهم و سلطة العقل و الاجتهاد، و هي حالة إنسانية كاملة، تعيش تطبيقاتها العقلية.
و عملية التنظيم التي بدأ بها الدين الجديد، ساعد على بناء المجتمع من جديد، بعدما بين الحقوق و الواجبات، و ما ينبغي أن تكون عليه الذات، و ما لا تكون عليه، لأجل الصالح العام، التي تولد عنها الاستقرار الاجتماعي ، و زادت المساحات البينية وضوحا، الذي كان سببا قويا على استقرار الوعي على المعرفة و منتجاتها، و باكتساب الوعي الاستقرار الاجتماعي، القائم على المساواة و العدل- المساواة بين الناس باختلاف لهجاتهم و ألوانهم و مكانتهم و نسبهم أمام الوعي الذاتي. مراسيم كلها زادت في انخراط الذات في مملكة الحق العام. قد حسم إشكالية عويصة شغلته عصورا طويلة، و لم يتمكن من بلوغها، كالتي يعيشها وعينا اليوم، و في نظرنا أن سبب هذا الإخفاق، يعود بدرجة أساسية إلى فشله في تأسيس وعي سياسي ناضج و حر ، الذي زاد في تماهيه مع المحيط الطبيعي، في مباشرته دون واسطة فكرية. مما جعله يظهر خلا ل هذه البنية وعيا بدويا، الذي يقوم على ثنائيتين و هما:
الذات الواعية( الأنا)، و موضوع الوعي( المحيط الطبيعي)، فتخضع الذات الواعية لهيمنة المحيط الطبيعي، حينما تعجز على احتوائه، نظرا لافتقارها الأدوات الفكرية، التي كانت لزومية امتلاكها ناصيتها. في ظل هذا العجز، لا يجد الوعي المباشر خيارا آخر، إلا شرط الحس الطبيعي الذي أصبح جزءا منه في تماس مطلق.
الوعي البدوي في خضم هذا التداخل، لم يعد يبحث عن سبل الانفصال عن العالم الحسي. و بالتالي لم يكن في خياراته حرا، بقدر ما بقي حبيس الظواهر الأمبريقية، أي أنه لم يكن بمقدوره أن ينتج وعيا فكريا، يمتثل لشروط الفهم و العقل، يكون طرفا ثالثا في معادلة الحقيقة، حتى يتسنى لهذا الوعي في هذه البنية، أن يكسر شمولية الحس الخارجي عليه، و أن يجعل الطرف الثالث بديلا عن المحيط الطبيعي.
فالطرف الثالث الذي هو الفكر الحر، يملك قدرة بث الحيوية في الذات، و يمنحها حرية الإختيار. و شرط الحرية هنا يكون دافعا قويا للذات نحو إيجاد منافذ أخرى متعددة، التي تساعدها على التحرر النهائي من المباشرة الحسية الخارجية.
ثانيا: على الصعيد الثقافي، في هذا الركن، أيضا أحدث الإسلام كديانة جديدة، أنماطا محدثة للفهم العام، و نسخ سبل التواصل الثقافي، التي كانت سائدة قبله، بسبل ثقافة جديدة، تعتمد على معيار الحرية و التعقل، في تواصلها مع العالم، و رفعها إلى مصاف طرق طلب الحق.
إنها الثورية التي لا مثيل لها في تاريخ تطور الثقافات، التي حدثت بسرعة فائقة، مع العلم أنه ليس من السهل ترك ثقافة تكوّنت عليها عروبة ما قبل الإسلام، و مسك ثقافة جديدة أقرها الشرع الجديد. و الملاحظ في هذه طبيعة هذه الثقافة، هو أنها ذات أبعاد عقلية صرفة، تؤمن بالحوار و الاختلاف، و الاجتهاد و النقد و التسجيل ، و التدبر و التفلسف، و الحرية، و هي كلها خصائص تدخل في تكوين عصر ثراء المعرفة . فكثيرا ما دعا القرآن إلى التعقل و التدبر و إلى الجدل الصحيح، و إثبات البين من الشك. إنها الثقافة التي جاء بها القرآن، و التي كانت كافية على وضع قاعدة صلبة للحضارة الإسلامية.
و إذا تأملنا في تاريخية وعي ما قبل الإسلام، لنجد في ثقافته مقتصرا على عنصر الشعر، في تواصله مع الأخر. الذي كان في مجمله شعرا حسيا، حدث بسبب مؤثرات حسية خارجة عن الذات، الأمر الذي جعله وضعيا للعالم الحسي، و قد أعطى إعجازية، و بلاغة لا توصف في وصفه للعالم الظاهر للذات. فكانت الذات تجد في المحيط الطبيعي الخارجي، موطنا بلا حدود، يثير الدهشة و الإعجاب. إعجاب دفع بالذات إلى محاكاة ظواهر الطبيعة، عنه، أعلنت الذات في هذا العصر انتمائها إلى مملكة الطبيعة، أكثر من انتمائها إلى مملكتها الخاصة- الإنسانية- و عليه كانت ثقافة الشعر مقتصرة على و صف العالم الحسي الخارجي، أو التغني ببعض الخصال التي كان يتمتع بها العربي خلال هذا العصر، من شجاعة و كرم ، و صيد و إيثار و غيرها من الخصال، التي كلها مستقاة من الطبيعة.
انتماء خلق الاكتفاء الذاتي على مستوى الوعي، في محاكاته للطبيعة، وعي اعتقد أنه لا يضيف شيئا لما هو مبسوط أمامه في الطبيعة، متجاهلا في الوقت نفسه ، أنها هي غايته بما تحمله من تنوع و تغير، و على أنه قادر على أن يجعلها جزءا منه، و يجعلها كتابه الأعظم، و ليس العكس. وفق هذا الطرح، ظهر الوعي مسالما لما هو خارجي عنه، لم يكن يرى فيه على أنه كتلة من القوانين الفيزيائية، يبقى اكتشافها على عاتقه.
فالوعي الجاهلي، اعتبر الطبيعة، شيء غير قابل للفهم، و لا يمكن أن يضيف لها شيء، بل هي كاملة، لما تحوزه من ظواهر. و لما توفره له من طعام و ماء و غيرها، و هذا ما عبر عنه شعر كبار شعراء العصر بطريقة جميلة، الذين لم يدخروا جهدا ليعبروا عن غنى عالمهم الحسي، و عن مدى قوة علاقتهم به، كعلاقة الصيد مثلا، و لم يتوقف الأمر عند مستوى الإعجاب فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حينما اعتبروه إلها.
اعتبر الوعي الجاهلي ظواهر الطبيعة آلهة، لأنها تستحق في نظرهم العبادة و الورع، فهي مانحة الخير و الجمال و العطاء، و احتوائها على سر تغير الظواهر، الذي لم يجد له الوعي تفسيرا، كالخسوف و الكسوف ، و ظاهرة قوز قزح و غيرها من الظواهر مثلا، كعبادة الشمس ، و النار، و الظلام، و النور، و بعض الحيوانات و الجماجم و غيرها من الطبيعيات، و بنضجه المتدرج ، بحث عن وسائط يتوسط بها إلى الآلهة، كعبادة التماثيل و الرموز- الديانة الرمزية-، و كل ما هو قادر على التجسيد، و التي شكلت مرحلة متقدمة من تطوره، و ممهدا في نفس الوقت لبداية عصر جديد، و الذي سيكون ثوريا و رافضا تماما لهذه النمطية الحسية.
الذات في تأليهها لعناصر الطبيعة، حدث أولا، بسبب اعتبار نفسها جزءا منها، و ثانيا، عندما ظهرت الطبيعة للذات، أنها الحقيقة بجملتها، و ثالثا راجع إلى ديناميكية الطبيعة بظواهرها المتعددة. فكان يعتقد فيها الوعي الإله واهب النعم، و المعاقب بالفيضانات و الجفاف و غيرها من الظواهر، و بمثل هذه الظواهر ظن الوعي أن الإله لا يمكن أن يكون غير الطبيعة، الذي هو جزء منه، فالعالم و الذات شيء واحد، و ما على الذات إلا أن تحافظ على حسن انقيادها له و على تناغمها المطلق له، و ما يربطها به سوى الوعي الحسي المباشر، لا وعي استنتاجي قادر على التأويل و الفهم و إنتاج الوسائط، و جعل الطبيعة موضوع إمكانية فهم، لا تقوم إلا على قوة الفهم ذاته.
الذات الجاهلية، كانت تعتقد أنها جزء من الإله، و بالتالي من الطبيعة المباشرة. وفق هذا التسليم يتبين لنا ، أن الذات كانت متدينة بدين الطبيعة، رغم اختلاف رموز و أشكال المعبود، لأن الذات كانت تدرك تماهيها مع الطبيعة، الذي يرجع إلى شمولية الطبيعة، يستحيل تصور نفسها خارج الطبيعة. فالطبيعة محيطة بالذات أينما كانت، و الذات في المقابل موجودة في الطبيعة، فالذات هي الجزء، و الطبيعة هي الكل الذي لا كل فوقه، إنها الحقيقة التي جعلت الوعي الجاهلي يغرق في الطبيعة، و مشلولة و صامتة. فطرح السؤال في هذا الظرف غير ممكن، و البحث عن الإجابات ضرب من العبث، و شمولية الطبيعة هذه على الذوات، هي التي جعلتها حبيسة الصغر.
تحت صلابة هذا الإيمان المتجسد، الذي رأى في الإيمان الجديد، الذي أتى به الرسول( صلى الله عليه و سلم)، على أنه جنون و كفر، فهو يهدد عالمه الحسي و بتالي الطبيعة، الذي يتمخض عنه رفض إلهه.
لم يكن في وسعهم تقبله، لأنه يحتقر ما يعبدونه من ظواهر الطبيعة، معلنا أن الطبيعة و رموزها كلها مخلوقة من الله الواحد، تخشع و تسبح له.
كان هذا الإعلان بمثابة الصدمة التي لم يجد لها الوعي الجاهلي تفسيرا، فكشف عن مدى تحجر الوعي العربي قبل الإسلام، به تغيرت ملامح الحياة كلها ، و أسس لشيوعية الفهم ، حينما فرض العلم الحر و التشجيع عليه.
أما ما يتعلق بالأخلاق، فهي الأخرى لم تكن متحررة من الجذرية الحسية السائدة، التي كانت تسود منحى الحياة، فالوعي في هذا الضرب أيضا كان يولد قيمه الأخلاقية من وعاء الطبيعة الكبير، فكان يتقمص كل ما يلاقيه حسه الخارجي من علاقات طبيعيات الطبيعة، فستمد قيمة الكرم من كرم الطبيعة بما توفره من ماء و طيور و ثمار، و الإيثار من إيثار بعض مجموعات مخلوقات الطبيعة فيما بينها، و قيمة الشجاعة أيضا من شجاعة مخلوقاتها كشجاعة الأسد مثلا، و قيمة رفض العار و الغيرة و غيرها من القيم المستوحاة من محاكاته للطبيعة ، بما أنها الكل الشامل، التي تنتمي إليه، جعلتها تلتمس عناصرها الأخلاقية من كل ما يلامس الحس الطبيعي، مما زاد في تكريس هيمنة الحس، فبقت الأخلاقية ضمن هيمنت الحسية كسلطة وجودية، تحدد طبيعة الموجود، عنها ظلت الذات الأخلاقية في مباشرتها المطلقة مع صلابة العالم الحسي.
فالذات العربية قبل الإسلام، كانت حاملة لصور الحس المتعددة، في جميع اتجاهاتها و تحركها، مما جعلها تتحرك في المكان دون الزمان، الذي أحدث فيما بعد بمجيء الإسلام.
مع الإسلام، تحرر الوعي العربي من كل ما هو حسي في المعرفة، و من كل ما يقود إليه، معرفيا و أخلاقيا و دينيا و ثقافيا و حتى اجتماعيا، فكان بمقدور الذات أن تشعر بحريتها غير معهودة. على إثر هذا الانبساط و تنوع الثراء، تمددت الذات بوعيها في جميع الاتجاهات، محدثتا فتوحات إبداعية جديدة، و أنماطا حداثية لا مثيل لها في ذلك العصر، فتحرك الإنسان مكتشفا و مهندسا في البناء و الزخرفة، و طبيبا مجربا، و رياضيا بارعا، و فيلسوفا متأملا في الوجود و ناقدا لما خلفه السلف، و جغرافيا فاتحا، و غيرها من درر الإبداع و البحث، فاجتمعت و تداخلت و تكاملت ، لتعطي حضارة فريدة من نوعها في تاريخ البشرية جمعاء.
و استمر البناء و التأليف و التعمير، ليمتد شرقا إلى حدود الصين و غربا إلى الأطلسي، فازدهرت فيها الحياة و تنوعت فيها الأفكار، و تعددت الأساليب و الطرق، و كثرت فيها المدارس و المكتبات، و أصبح أيضا الأدب فيها يقارع نفسه ، بروافده الجديدة، و فلاسفتها يقرؤون لبعضهم البعض، حتى يظهروا هفواتهم و أخطائهم، و ينصت الحاكم للشاعر و لطبيب، و يتحاور الفقيه مع الفيلسوف، و الشاعر مع المؤرخ، كلها خصال أثبتت عمق هذه الحضارة الكبيرة.
و ما إن تسرب خلاف بين أجزائها، فتقطعت أوصالها و ضعفت قواها، و سرقت كنوزها و حرقت مدنها بكتبها، و شرد أبنائها، حتى سارت دولياتها مستعمر، على إثره فقدت الذات العربية كل مكنوناتها التاريخية، و عاد الوعي فيها خاضعا لوعي أخر مغاير تماما، فشلّت طاقاته، و ضيقت حريته، ليفقد مرونة فهمه، الشيء الذي جعله يعود إلى أحضان الحس، مثلما كان عليه حاله في عهوده الأولى، فتعاظمت فوقه حسيّته، و سار يتحرك بغلبته إلى يومنا هذا.